فصل: يوم الثلاثاء سابعه حضر جماعة أيضًا من العسكر بأثقالهم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ الجبرتي المسمى بـ «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» **


 يوم الثلاثاء سابعه حضر جماعة أيضًا من العسكر بأثقالهم

وحضرت مكاتبة من كبير الفرنساوية أنه وصل الى اصالحية وأرسل دوجا الوكيل ونبه على الناس بالخروج لملاقاته بموجب ورقة حضرت من عنده يأمر بذلك‏.‏

فلما كان ليلة الجمعة عاشره أرسلوا الى المشايخ والوجاقات وغيرهم فاجتمعوا بالأزبكية وقت الفجر بالمشاعل ودقت الطبول وحضر الحكام والقلات بمواكب وطبول وزمور ونوبات تركية وطبول شامية وملازمون وجاويشية وغير ذلك وحضر الوكيل وقائمقام وأكابر عساكرهم وركبوا جميعًا بالترتيب من الأزبكية الى أن خرجوا الى العادلية فقابلوا ساري عسكر بونابارته هناك وسلموا عليه ودخل معهم الى مصر من باب النصر بموكب هائل بعساكرهم وطبولهم وزمورهم وخيولهم وعرباتهم ونسائهم وأطفالهم في نحو خمس ساعات من النهار الى أن وصل الى داره بالأزبكية وانفض الجمع وضربوا عدة مدافع عند دخولهم المدينة وقد تغيرت ألوان العسكر القادمين واصفرت ألوانهم وقاسوا مشقة عظيمة من الحر والتعب وأقاموا على حصار عكا أربعة وستين يومًا حربًا مستقيمًا ليلًا ونهارًا وأبلى أحمد باشا وعسكره بلاء حسنًا وشهد له الخصم‏.‏

وفيه قبضوا على اسمعيل القلق الخربطلي وهو المتولي كتخدا العزب وكان ساكنًا بخط الجمالية وأخذوا سلاحه وأصعدوه الى القلعة وحبسوه والسبب في ذلك أنه عمل في تلك الليلة وليمة ودعا أحبابه وأصدقاءه وأحضر لهم آلات اللهو والطرب وبات سهرانًا بطول الليل فلما كان آخر الليل غلب عليهم السهر والسكر فناموا الى ضحوة النهار وتأخر عن الملاقاة فلما أفاق ركب ولاقاهم عند باب النصر فنقموا عليه بذلك وفعلوا معه ما ذكر ولما وصل ساري عسكر الفرنساوية الى داره بالأزبكية تجمع هناك أرباب الملاهي والبهالوين وطوائف الملاعبين والحواة والقرادين والنساء الراقصات والخلابيض ونصبوا أراجيح مثل أيام الأعياد والمواسم واستمروا على ذلك ثلاثة أيام وفي كل يوم من تلك الأيام يعملون شنكًا وحراقات ومدافع وسواريخ ثم انفض الجمع بعد ما أعطاهم ساري عسكر دراهم وبقاشيش‏.‏

وفي يوم الأحد عزلوا دستان قائمقام وتولى عوضه دوجا الذي كان وكيلًا عن ساري عسكر‏.‏

وتهيأ المعزول للسفر الى جهة بحري وأصبح مسافرًا وصحبته نحو الألف من العسكر وسافر أيضًا منهم طائفة الى جهة البحيرة‏.‏

وفيه طلبوا من طوائف النصارى دراهم سلفة مقدار مائة وعشرين ألف ريال‏.‏

وفي خامس عشره أرسلوا الى زوجات حسن بك الجداوي وختموا على دورهن ومتاعهن وطالبوهن بالمال وذلك لسبب أن حسن بك التف على مراد بك وصار يقاتل الفرنسيس معه‏.‏

وقد كانت الفرنسيس كاتبت حسن بك وأمنته وأقرته على ما بيده من البلاد وأن لا يخالف ويقاتل مع الأخصام فلم يقبل منهم ذلك فلما وقع لنسائه ذلك ذهبن الى الشيخ محمد المهدي ووقعن عليه فصالح عليهن بمبلغ ثلاثة آلاف فرانسة‏.‏

وفي تاسع عشره هلك مخاييل كحيل النصراني الشامي وهو من رجال الديوان الخصوصي فجأة وذلك لقهره وغمه وسبب ذلك أنهم قرروا عليه في السلفة ستة آلاف ريال فرانسة وأخذ في تحصيلها ثم بلغه أن أحمد باشا الجزار قبض على شريكه بالشام واستصفى ما وجده عنده من وفيه كتبوا أوراقًا وطبعوها وألصقوها بالأسواق وذلك بعد أن رجعوا من الشام واستقروا وهي من ترصيف وتنميق بعض الفصحاء‏.‏

وصورتها‏:‏ من محفل الديوان الخصوصي بمحروسة مصر خطابًا لأقاليم مصر الشرقية والغربية والمنوفية والقليوبية والجيزة والبحيرة النصيحة من الإيمان قال تعالى في محكم القرآن‏:‏ ولا تتبعوا خطوات الشيطان وقال تعالى وهو أصدق القائلين في الكتاب المكنون‏:‏ ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فعلى العاقل أن يتدبر في الأمور قبل أن يقع في المحذور نخبركم معاشر المؤمنين أنكم لا تسمعوا كلام الكاذبين فتصبحوا على ما فعلتم نادمين وقد حضر الى محروسة مصر المحمية أمير الجيوش الفرنساوية حضرة بونابارته محب الملة المحمدية ونزل بعسكره في العادلية سليمًا من العطب والأسقام ودخل الى مصر من باب النصر يوم الجمعة في موكب عظيم وشنك جليل فخيم وصحبته العلماء والوجاقات السلطانية وأرباب الأقلام الديوانية وأعيان التجار المصرية وكان يومًا عظيمًا مشهودًا وخرجت أهل مصر لملاقاته فوجدوه وهو الأمير الأول بذاته وصفاته وظهر لهم أن الناس يكذبون عليه شرح الله صدره للإسلام والذي أشاع عنه الأخبار الكاذبة العربان الفاجرة والغز الهاربة ومرادهم بهذه الإشاعة هلاك الرعية وتدمير أهل الملة الإسلامية وتعطيل الأموال الديوانية لا يحبون راحة العبيد وقد أزال الله دولتهم من شدة ظلمهم أن بطش ربك لشديد وقد بلغنا أن الألفي توجه الى الشرقية مع بعض المجرمين من عربان بلي والعيايدة الفجرة المفسدين يسعون في الأرض بالفساد وينهبون أموال المسلمين إن ربك لبالمرصاد ويزورون على الفلاحين المكاتيب الكاذبة ويدعون أن عساكر السلطان حاضرة والحال أنها ليس بحاضرة فلا أصل لهذا الخبر ولا صحة لهذا الأثر وإنما مرادهم وقوع الناس في الهلاك والضرر مثل ما كان يفعل ابراهيم بك في غزة حيث كان ويرسل فرمانات بالكذب والبهتان ويدعي أنها من طرف السلطان ويصدقه أهل الأرياف خسفاء العقول ولا يقرأون العواقب فيقعون في المصائب وأهل الصعيد طردوا الغز من بلادهم خوفًا على أنفسهم وهلاك عيالهم وأولادهم فإن المجرم يؤخذ مع الجيران وقد غضب الله على الظلمة ونعوذ بالله من غضب الديان فكان أهل الصعيد أحسن عقلًا من أهل بحري بسبب هذا الرأي السديد ونخبركم أن أحمد باشا الجزار سموه بهذا الاسم لكثرة قتله الأنفس ولا يفرق بين الأخيار والأشرار وقد جمع الطموش الكثيرة من العسكر والغز والعرب وأسافل العشيرة وكان مراده الاستيلاء على مصر وأقاليمها وأحبوا اجتماعهم عليه لأجل أخذ أموالها وهتك حريمها ولكن لم تساعده الأقدار والله يفعل ما يشاء ويختار وقد كان أرسل بعض هذه العساكر الى قلعة العريش ومراده أن يصل الى قطيا فتوجه حضرة ساري عسكر أمير الجيوش الفرنساوية وكسر عسكر الجزار الذين كانوا في العريش ونادوا‏:‏ الفرار الفرار بعدما حصل بعسكرهم القتل والدمار وكانوا نحو ثلاثة آلاف وملك قلعة العريش وأخذ غزة وهرب من كان فيها وفروا ولما دخل غزة نادى في رعيتها بالأمان وأمر بإقامة الشعائر الإسلامية وإكرام العلماء والتجار والأعيان ثم انتقل الى الرملة وأخذ ما فيها من بقسماط وأرز وشعير وقرب أكثر من ألفي قربة كبار كان قد جهزها الجزار لذهابه الى مصر ثم توجه الى يافا وحاصرها ثلاثة أيام ثم أخذها وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار بالتمام ومن نحوسات أهلها أنهم لم يرضوا بأمانه ولم يدخلوا تحت طاعته وإحسانه فدور فيهم السيف من شدة غيظه وقوة بأسه وسلطانه وقتل منهم نحو أربعة آلاف أو يزيدون بعدما هدم سورها وأكرم من كان بها من أهل مصر وأطعمهم وكساهم وجهزهم في المراكب الى مصر وغفرهم بعسكره خوفًا عليهم من العربان وأجزل عطاياهم وكان في يافا نحو خمسة آلاف من عسكر الجزار هلكوا جميعًا وبعضهم ما نجاه إلا الفرار ثم توجه من يافا الى جبل نابلس فكسر من كان فيه من العساكر بمكان يقال له فاقوم وحرق خمسة بلاد من بلادهم وما قدر كان ثم أخرب سور عكا وهدم قلعة الجزار التي كانت حصينة لم يبق فيها حجر على حجر حتى إنه يقال كان هناك مدينة وقد كان بني حصارها وشيد بنيانها في نحو عشرين من السنين وظلم في بنيانها عباد الله وهكذا عاقبة بنيان الظالمين ولما توجه إليه أهل بلاد الجزار من كل ناحية كسرهم كسرة شنيعة فهل ترى لهم من باقية نزل عليهم كصاعقة من السماء ثم توجه راجعًا الى مصر المحروسة لأجل شيئين‏:‏ الأول‏:‏ أنه وعدنا برجوعه إلينا بعد أربعة أشهر والوعد عند الحردين‏.‏

والسبب الثاني‏:‏ أنه بلغه أن بعض المفسدين من الغز والعربان يحركون في غيابه الفتن والشرور في بعض الأقاليم والبلدان فلما حضر سكنت الفتنة وزالت الأشرار والفجرة من الرعية وحبه لمصر وأقاليمها شيء عجيب ورغبته في الخير لأهلها ونيلها بفكره وتدبيره المصيب ويرغب أن يجعل فيها أحسن التحف والصناعة ولما حضر من الشام أحضر معه جملة من الأسارى من خاص وعام وجملة مدافع وبيارق اغتنمها في الحروب من الأعداء والأخصام فالويل كل الويل لمن عاداه والخير كل الخيرلمن والاه فسلموا يا عباد الله وارضوا بتقدير الله وامتثلوا لأحكام الله ولا تسعوا في سفك دمائكم وهتك عيالكم ولا تتسببوا في نهب أموالكم ولا تسمعوا كلام الغز الهربانين الكاذبين ولا تقولوا إن في الفتنة إعلاء كلمة الدين حاشا الله لم يكن فيها إلا الخذلان وقتل الأنفس وذل أمة النبي عليه الصلاة والسلام‏.‏

والغز والعربان يطمعوكم ويغروكم لأجل أن يضروكم فينهبوكم وإذا كانوا في بلد وقدمت عليهم الفرنسيس فروا هاربين منهم كأنهم جند إبليس ولما حضر ساري عسكر الى مصر أخبر أهل الديوان من خاص وعام أنه يحب دين الإسلام ويعظم النبي عليه الصلاة والسلام ويحترم القرآن ويقرأ منه كل يوم بإتقان وأمر بإقامة شعائر المساجد الإسلامية وإجراء خيرات الأوقاف السلطانية وأعطى عوائد الوجاقلية وسعى في حصول أقوات الرعية فانظروا هذه الألطاف والمزية ببركة نبينا أشرف البرية وعرفنا أن مراده أن يبني لنا مسجدًا عظيمًا بمصر لا نظير له في الأقطار وأنه يدخل في دين النبي المختار عليه أفضل الصلاة وأتم السلام انتهى بحروفه‏.‏

وكان أشيع بمصر قبل مجيئهم وعودهم من الشام بأن ساري عسكر بونابارته مات بحرب عكا وتناقله الناس وأنهم ولوا أخلافه فهذا هو السبب في قولهم في ذلك الطومار‏:‏ وقد حضر سليمًا من العطب فوجدوه هو الأمير الأول بذاته وصفاته الى آخر السياق المتقدم‏.‏

وفي ثاني عشرينه أرسل ساري عسكر جماعة من العسكر وقبضوا على ملا زاده ابن قاضي العسكر ونهبوا بعضًا من ثيابه وكتبه وطلعوا به الى القلعة فانزعج عليه عياله وحريمه ووالدته انزعاجًا شديدًا وفي صبحها اجتمع أرباب الديوان بالديوان وحضر إليهم ورقة من كبير الفرنسيس قرئت عليهم مضمونها أن ساري عسكر قبض على ابن القاضي وعزله وأنه وجه إليكم أن تقترعوا وتختاروا شيخًا من العلماء يكون من أهل مصر ومولودًا بها يتولى القضاء ويقضي بالأحكام الشرعية كما كانت الملوك المصرية يولون القضاء برأي العلماء للعلماء فلما سمعوا ذلك أجاب الحاضرون بقولهم‏:‏ إننا جميعًا نتشفع ونترجى عنده في العفو عن ابن القاضي فإنه إنسان غريب ومن أولاد الناس الصدور وإن كان والده وافق كتخدا الباشا في فعله فولده مقيم تحت أمانكم والمرجو انطلاقه وعوده الى مكانه فإن والدته وجدته وعياله في وجد وحزن عظيم عليه وساري عسكر من أهل الشفقة والرحمة وتكلم الشيخ السادات بنحو ذلك وزاد في القول بأن قال‏:‏ وأيضًا إنكم تقولوا دائمًا إن الفرنساوية أحباب العثمانية وهذا ابن القاضي من طرف العثملي فهذا الفعل مما يسيء الظن بالفرنساوية ويكذب قولهم وخصوصًا عند العامة فأجاب الوكيل بعدما ترجم له الترجمان بقوله لا بأس بالشفاعة ولكن بعد تنفيذ أمر ساري عسكر في اختيار قاض خلافه وألا تكونوا مخالفين ويلحكم الضرر بالمخالفة فامتثلوا وعملوا القرعة فطلعت الأكثرية باسم الشيخ أحمد العريشي الحنفي ثم كتبوا عرضحال بصورة المجلس والشفاعة وكتب عليه الحاضرون وذهب به الوكيل الى ساري عسكر وعرفه بما حصل وبما تكلم به الشيخ السادات فتغير خاطره عليه وأمر بإحضاره آخر النهار فلما حضر لامه وعاتبه فتكلم بينهما الشيخ محمد المهدي ووكيل الديوان الفرنساوي بالديوان حتى سكن غيظه وأمره بالانصراف الى منزله بعد أن عوقه حصة من الليل فلما أصبح يوم الجمعة عملوا جمعية في منزل دوجا قائمقام وركبوا صحبته الى بيت ساري عسكر ومعهم الشيخ أحمد العريشي فألبسه فروة مثمنة وركبوا جميعًا الى المحكمة الكبيرة بين القصرين ووعدهم بالإفراج عن ابن القاضي بعد أربع وعشرين ساعة وقد كانت عياله انتقلوا من خوفهم الى دار السيد أحمد المحروقي وجلسوا عنده ولما كان في ثاني يوم أفرجوا عنه ونزل الى عياله وصحبته أرباب الديوان والآغا ومشوا معه في وسط المدينة ليراه الناس ويبطل القيل والقال‏.‏

وفي تلك الليلة قتلوا شخصين‏:‏ أحدهما علي جاويش رئيس الريالة الذي كان بالاسكندرية عند حضور الفرنسيس والثاني قبطان آخره فلم يزالا بمصر يحبسونهما أيامًا ثم يطلقونهما فحبسوهما آخرًا فلم يطلقوهما حتى قتلوهما‏.‏

وفي صبيحة ذلك اليوم قتلوا شخصين أيضًا من الأتراك بالرميلة‏.‏

وفيه أفرجوا عن زوجات حسن بك الجداوي‏.‏

وفي ثامن عشرينه جمعوا الوجاقلية وكتبوا أسماءهم‏.‏

وفي تاسع عشرينه قبضوا على ثلاثة أنفار أحدهم يسمى حسن كاشف من أتباع أيوب بك الكبير وآخر يسمى أبو كلس والثالث رجل تاجر من تجار خان الخليلي يسمى حسين مملوك الدالي ابراهيم فسجنوهم بالقلعة فتشفع الشيخ السادات في حسين التاجر المذكور فأطلقوه على خمسة آلاف فرانسة‏.‏

فيه أفرجوا عن بعض قرابة كتخدا الباشا وكان محبوسًا بالجيزة ثم نقل الى القلعة مع كتخدا قريبه فأطلق وبقي الآخر‏.‏

وفي يوم الأحد ثالثه حضر السيد عمر أفندي نقيب الأشراف سابقًا من دمياط الى مصر وكان مقيمًا هناك من بعد واقعة يافا ونزل مع الذين أنزلوهم من يافا الى البحر وفيهم عثمان أفندي العباسي وحسن أفندي كاتب الشهر وأخوه قاسم أفندي وأحمد أفندي عرفة والسيد يوسف العباسي والحاج قاسم المصلي وغيرهم فمنهم من عوق بالكرنتيلة ومنهم من حضر من البر خفية فحضر بعض الأعيان لملاقاة السيد عمر وركبوا معه بعد أن مكث هنيهة بزاوية علي بك التي بساحل بولاق حتى وصل الى داره وتوجه في ثاني يوم مع المهدي وقابل ساري عسكر فبش له ووعده بخير ورد إليه بعض تعلقاته واستمر مقيمًا بداره والناس تغدو وتروح إليه على العادة‏.‏

وفي رابعه حضر أيضًا حسن كتخدا الجربان بأمان وكان بصحبته عثمان بك الشرقاوي وفيه أشيع أن مراد بك ذهب الى ناحية البحيرة فرارًا من الفرنسيس الذين بالصعيد‏.‏

وفي خامسه قتلوا عبد الله آغا أمير يافا وكان أخذ أسيرًا وحبس ثم قتل‏.‏

وفيه قتل أيضًا يوسف جربجي أبو كلس ورفيقه حسن كاشف‏.‏

وفي سادسه عمل الشيخ محمد المهدي وليمة عرس لزواج أحد أولاده ودعا ساري عسكر وأعيان الفرنساوية فتعشوا عنده وذهبوا‏.‏

وفيه أحضروا أربعة عشر مملوكًا أسرى وأصعدوهم الى القلعة قيل إنهم كانوا لاحقين بمراد بك بالبحيرة فآووا الى قبة يستظلون بها وتركوا خيولهم مع السواس فنزل عليهم طائفة من العرب فأخذوا الخيول فمروا مشاة فدل الفلاحون عليهم عسكر الفرنسيس فمسكوهم وقيل إهم آووا الى بلده وطلبوا منهم غرامة فصالحوهم فلم يرضوا بذلك بدون ما طلبوا فوعدوهم بالدفع من الغد وكانوا أكثر من ذلك وفيهم كاشف من جماعة عثمان بك الطنبرجي فذهب الفلاحون الى الفرنسيس وأعلموهم بمكانهم فحضروا إليهم ليلًا وفر من فر منهم وقتل من قتل وأسر الباقي وأما الكاشف فيسمى عثمان التجأ الى كبير الفرنسيس فحماه وأخذه عنده وأحضروا الأسرى الى مصر وعليهم ثياب زرق وزعابيط وعلى رؤوسهم عراقي من لباد وغيره وأصعدوهم الى القلعة وقتلوا منهم في ثاني ليلة أشخاصًا‏.‏

وفي تاسعه أحضروا أيضًا ستة أشخاص من المماليك وأصعدوهم الى القلعة وفي ذلك اليوم قتلوا أيضًا نحو العشرة من الأسرى المحابيسز‏.‏

وفي يوم الأحد عاشره ركب في عصريته ساري عسكر وعدى الى بر الجيزة وتبعته العساكر ولم يعلم سبب ذلك ولما صاروا بالجيزة ضربوا نجع البطران ودهشور بسبب نزول مراد بك عندهم وفي هذا اليوم ظهر أن مراد بك رجع ثانيًا الى الصعيد وشاع الخبر أيضًا أن عثمان بك الشرقاوي وسليمان آغا الوالي وآخرين مروا من خلف الجبل وذهبوا الى ناحية الشرق فخرج عليهم جماعة من العسكر وفيهم برطلمين يني الرومي رئيس عسكر الأروام ومعهم عدة وافرة من أخلاط العسكر أروام وقبط والمماليك المنضمة إليهم وبعض فرنساوية‏.‏

فأدركوهم بالقرب من بلبيس وأتوهم من خلاف الطريق المسلوكة فدهموهم على حين غفلة‏.‏

وكان عثمان بك يغتسل فلما أحسوا بهم بادروا للفرار وركبوا وركب عثمان بك بقميص واحد على جسده وطاقية فوق رأسه وهربوا وتركوا ثيابهم ومتاعهم وحملتهم وقدور الطعام على النار ولم يمت منهم إلا مملوكان وأسروا منهم إثنين ووجدوا على فراش عثمان بك مكاتبة من ابراهيم بك يستدعيهم الى الحضور إليه بالشام‏.‏

وفي ليلة الاثنين حادي عشره وردت أخبار ومكاتيب مع السعاة لبعض الناس من الاسكندرية وأبي قير وأخبروا بأنه وردت مراكب فيها عسكر عثمانية الى أبي قير فتبين أن حركة الفرنساوية وتعديتهم الى البر الغربي بسبب ذلك وأخذوا صحبتهم جرجس الجوهري وفي ضحوة اليوم الثاني عدى الكثير من العسكر أيضًا واهتم حنا بينو المتولي على بحر بولاق بجمع المراكب وشحنها بالقومانية والذخيرة وداخل الفرنساوية من ذلك وهم كبير ولما عدى كبيرهم الى بر الجيزة أقام يوم الاثنين عند الأهرام حتى تجمعت العساكر وبعث بالمقدمة‏.‏

وركب هو في يوم الثلاثاء ثاني عشره وأرسل مكتوبًا الى أرباب الديوان بالسلام عليهم والوصية بالمحافظة وضبط البلد والرعية كما فعلوا في غيبته السابقة‏.‏

وفي سادس عشره ورد الخبر بأن عثمان خجا وصل الى قلعة أبي قير صحبة السيد مصطفى باشا فضربوا على القلعة وقاتلوا من بها من الفرنشاوية وملكوها وأسروا من بقي بها وعثمان خجا هذا هو الذي كان متوليًا إمارة رشيد من طرف صالح بك وحج معه ورجع صحبته الى اشام فلما توفي صالح بك سافر الى الديار الرومية وحضر صحبة مصطفى باشا المذكور‏.‏

فلما تحققت هذه الأخبار كثر اللغط في الناس وأظهروا البشر وتجاهروا بلعن النصارى واتفق أنه تشاجر بعض المسلمين بحارة البرابرة بالقرب من كوم الشيخ سلامة مع بعض نصارى الشوام فقال المسلم للنصراني إن شاء الله تعالى بعد أربعة أيام نشتفي منكم وكلام من هذا المعنى فذهب هذا النصراني الى الفرنسيس مع عصبة من جنسه وأخبروهم بالقصة وزادوا وحرفوا وعرفوهم أن قصد المسلمين إثارة فتنة فأرسل قائمقام الى الشيخ المهدي وتكلم معه في شأن ذلك وحاججه وأصبحوا فاجتمعوا بالديوان فقام المهدي خطيبًا وتكلم كثيرًا ونفى الريبة وكذب أقوال الأخصام وشدد في تبرئة المسلمين عما نسب إليهم وبالغ في الحطيطة والانتقاص من جانب النصارى وهذا المقام من مقاماته المحمودة ثم جمعوا مشايخ الأخطاط والحارات‏.‏

وفي ثامن عشره وردت أخبار وعدة مكاتيب لكثير من الأعيان والتجار وكلها على نسق واحد تزيد عن المائة مضمونها بأن المسلمين وعسكر العثمانيين ومن معهم ملكوا الاسكندرية في ثالث ساعة من يوم السبت سادس عشر صفر فصار الناس يحكي بعضهم لبعض ويقول ابعض‏:‏ أنا قرأت المكتوب الواصل الى فلان التاجر ويقول الآخر مثل ذلك ولم يكن لذلك أصل ولا صحة ولم يعلم من فعل هذه الفعلة واختلق هذه النكتة ولعلها من فعل بعض النصارى البلديين ليوقعوا بها فتنة في الناس ينشأ منها القتل فيهم والأذية لهم وسبحان الله علام الغيوب‏.‏

وفي ليلة الأربعاء عشرينه أشيع أن الفرنساوية تحاربوا مع العساكر الواردين على أبي قير‏.‏

وأخذوا مصطفى باشا أسيرًا وكذلك عثمان خجا وغيرهم وأخبر الفرنسيس أنه حضرت لهم مكاتبة بذلك من أكابرهم فلما طلع النهار ضربوا مدافع كثيرة من قلعة الجبل وباقي القلاع المحيطة وبصحن الأزبكية وعملوا في ليلتها أعني ليلة الأربعاء حراقة بالأزبكية من نفوط وبارود وسواريخ تصعد في الهواء‏.‏

وفي يوم الخميس ثامن عشرينه وصلت عدة مراكب وبها أسرى وعساكر جرحى وكذلك يوم الجمعة تاسع عشرينه حضرت مكاتبة من الفرنسيس بحكاية الحالة التي وقعت لم أقف على صورتها‏.‏

واستهل ربيع الأول بيوم السبت سنة 1214 في ثانيه وصلت مراكب من بحري وفيها جرحى من الفرنساوية‏.‏

وفيه قبضوا على الحاج مصطفى البشتيلي الزيات من أعيان أهالي بولاق وحبسوه ببيت قائمقام والسبب في ذلك أن جماعة من جيرانه وشوا عنه بأنه يدخل بعض حواصله الذي في وكالته عدة قدور مملوءة بالبارود فكبسوا على الحواصل فوجدوا بها ذلك أخبر الواشي فأخذوها وقبضوا عليه وحبسوه كما ذكر ثم نقلوه الى القلعة‏.‏

وفي سادسه حضر أيضًا جملة من العسكر وكثر لغط الناس على عادتهم في رواية الأخبار‏.‏

وفيه حضرت حجاج المغاربة ووصلت صحبة الحج الشامي وأخبروا أنهم حجوا صحبته وأمير الحاج الشامي عبد الله باشا ابن العظم‏.‏

وفي ليلة الأحد تاسعه حضر ساري عسكر الفرنساوية بونابارته ودخل الى داره بالأزبكية وحضر صحبته عدة أناس من أسرى المسلمين وشاع الخبر بحضوره فذهب كثير من الناس الى الأزبكية ليتحققوا الخبر على جليته فشاهدوا الأسرى وهم وقوف في وسط البركة ليراهم الناس ثم أنهم صرفوهم بعد حصة من النهار فأرسلوا بعضهم الى جامع الظاهر خارج الحسينية وأصعدوا باقيهم الى القلعة وأما مصطفى باشا ساري عسكر فإنهم لم يقدموا به لمصر بل أرسلوه الى الجيزة مكرمًا وأبقوا عثمان خجا بالاسكندرية ولما استقر بونابارته في منزله ذهب للسلام عليه المشايخ والأعيان وسلموا عليه فلما استقر بهم المجلس قال لهم على لسان الترجمان إن ساري عسكر يقول لكم إنه لما سافر الى الشام كانت حالتكم طيبة في غيابه وأما في هذه المرة فليس كذلك لأنكم كنتم تظنون أن الفرنسيس لا يرجعون بل يموتون عن آخرهم فكنتم فرحانين ومستبشرين وكنتم تعارضون الآغا في أحكامه وإن المهدي والصاوي ما هم بونو أي ليسوا بطيبين ونحو ذلك وسبب كلامه هذا الحكاية المتقدمة التي حبسوا بسببها مشايخ الحارات فإن الآغا الخبيث كان يريد أن يقتل في كل يوم أناسًا بأدنى سبب فكان المهدي والصاوي يعارضانه ويتكلمان معه في الديوان ويوبخانه ويخوفانه سوء العاقبة وهو يرسل الى ساري عسكر فيطالعه بالأخبار ويشكو منهما فلما حضر عاتبهم في شأن ذلك فلاطفوه حتى انجلى خاطره وأخذ يحدثهم على ما وقع له من القادمين الى أبي قير والنصر عليهم وغير ذلك‏.‏

وفي يوم الثلاثاء حادي عشره عمل المولد النبوي بالأزبكية ودعا الشيخ خليل البكري ساري عسكر الكبير مع جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده وضربوا ببركة الأزبكية مدافع وعملوا حراقة وسواريخ ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الأسواق والدكاكين ليلًا وإسراج قناديل واصطناع مهرجان وورد الخبر بأن الفرنسيس أحضروا عثمان خجا ونقلوه من الاسكندرية الى رشيد فدخلوا به البلد وهو مكشوف الرأس حافي القدمين وطافوا به البلد يزفونه بطبولهم حتى وصلوا به الى داره فقطعوا رأسه تحتها ثم رفعوا رأسه وعلقوها من شباك داره ليراها من يمر بالسوق‏.‏

وفي ثالث عشره أشيع بأن كبير الفرنسيس سافر الى جهة بحري ولم يعلم أحد أي جهد يريد وسئل بعض أكابرهم فأخبر أن ساري عسكر المنوفية دعاه لضيافته بمنوف حين كان متوجهًا الى ناحية أبي قير ووعده بالعود إليه بعد وصوله الى مصر وراج ذلك على الناس وظنوا صحته‏.‏

ولما كان يوم الاثنين سادس عشره خرج مسافرًا من آخر الليل وخفي أمره على الناس‏.‏

وفي يوم الاثنين رابع عشرينه الموافق التاسع مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك فنودي بوفائه على العادة وخرج النصارى من القبطة والشوام والأروام وتأهبوا للخلاعة والقصف والتفرج واللهو والطرب وذهبوا تلك الليلة الى بولاق ومصر العتيقة والروضة واكتروا المراكب ونزلوا فيها وصحبتهم الآلات والمغاني وخرجوا في تلك الليلة عن طورهم ورفضوا الحشمة وسلكوا مسلك الأمراء سابقًا من النزول في المراكب الكثيرة المقاذيف وصحبتهم نساؤهم وقحابهم وشرابهم وتجاهروا بكل قبيح من الضحك والسخرية والكفريات ومحاكاة المسلمين وبعضهم تزيا بزي أمراء مصر وليس سلاحًا وتشبه بهم وحاكى ألفاظهم على سبيل الاستهزاء والسخرية وغير ذلك وأجرى الفرنساوية المراكب المزينة وعليها البيارق وفيها أنواع الطبول والمزامير في البحر ووقع في تلك الليلة بالبحر وسواحله من الفواحش والتجاهر بالمعاصي والفسوق ما لا يكيف ولا يوصف وسلك بعض غوغاء العامة وأسافل العالم ورعاعهم مسالك تسفل الخلاعة ورذالة الرقاعة بدون أن ينكر أحد على أحد من الحكام أو غيرهم بل كل إنسان يفعل ما تشتهيه نفسه وما يخطر بباله وإن لم يكن من أمثاله‏.‏

وأكثر الفرنسيس في تلك الليلة وصباحها من رمي المدافع والسواريخ من المراكب والسواحل وباتوا يضربون أنواع الطبول والمزامير وفي الصباح ركب دوجا قائمقام وصحبته أكابر الفرنسيس وأكابر أهل مصر وحضروا الى قصر السد وجلسوا به واصطفت العساكر ببر الروضة وبر مصر القديمة بأسلحتهم وطبولهم وبعضهم في المراكب لضرب المدافع المتتالية الى أن انكسر السد وجرى الماء في الخليج فانصرف‏.‏

وفي خامس عشرينه طلبوا من كل طاحون من الطواحين فرسًا‏.‏

وفي سادس عشرينه كتبوا أوراقًا وألصقوها بالأسواق مضمونها أن الناس يذهبون الى بولاق يوم التاسع والعشرين ليحضروا سوق الخيل ويشتروا ما أحبوا من الخيل‏.‏

وفيه ألصقوا أوراقًا أيضًا مضمونها بأن من كان عليه مال ميري ملزوم بغلاقه ومن لم يغلق ما عليه بعد مضي عشرين يومًا عوقب بما يليق به ونادوا بموجب ذلك بالأسواق‏.‏

وفي سابع عشرينه كتبوا أوراقًا أيضًا مضمونها انقضاء سنة مؤاجرات أقلام المكوس ومن أراد استثمار شيء من ذلك فليحضر الى الديوان ويأخذ ما يريد بالمزاد‏.‏

وفيه أفرج عن الأنفار التي قدم بها الفرنساوية من غزة وحبست بالقلعة على مصلحة خمسة وسبعين كيسًا دفعوا بعضها وضمنهم أهل وكالة الصابون في البعض الباقي فأنزلوهم من القلعة على هذا الاتفاق بشرط أن لا يسافر منهم أحد إلا بعد غلاق ما عليه‏.‏

وفي ثامن عشرينه تشفع أرباب الديوان في أهل يافا المسجونين بالقلعة أيضًا فوقع التوافق معهم على الإفراج عنهم بمصلحة مائة كيس فاجتمع الرؤساء والتجار وترووا واشتوروا في مجلس خاص بينهم فاتفق الحال على تقسيطها وتأجيلها في كل عشرين يومًا خمسة وعشرين كيسًا فدفع التجار خمسة وعشرين كيسًا وأفرج عنهم من القلعة وأجلوا الباقي على الشرح المذكور‏.‏

وفيه ورد من بونابارته ساري عسكر الفرنساوية كتاب من الاسكندرية خطابًا لأهل مصر وسكانها فأحضر قائمقام دوجا الرؤساء المصرية وقرأ عليهم الكتاب مضمونه أنه سافر يوم الجمعة حادي عشرين الشهر المذكور الى بلاد الفرنساوية لأجل راحة أهل مصر وتسليك البحر فيغيب نحو ثلاثة أشهر ويقدم مع عساكره فإنه بلغه خروج عمارتهم ليصفوا له ملك مصر ويقطع دابر المفسدين وأن المولى على أهل مصر وعلى رياسة الفرنساوية جميعًا كهلبر ساري عسكر دمياط فتحير الناس وتعجبوا في كيفية سفره ونزوله البحر مع وجود مراكب الانكليز ووقوفهم بالثغر ورصدهم الفرنساوية من وقت قدومهم الديار المصرية صيفًا وشتاء ولكيفية خلوصه وذهابه أنباء وحيل لم أقف على حقيقتها‏.‏ وفي